محمد بن الطيب الباقلاني

285

الإنتصار للقرآن

ترتيب نظمها وتأليف أبياتها وسياق بيانها ، ثم لا يبالي أيّهما كتب في ديوانه أولا وآخرا ووسطا ، كذلك المترسّل والخطيب . قالوا : فكذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه إنّما أراد من الأمّة حفظ السّور وتلاوتها على نظامها وترتيب آياتها فقط ، ولم يرد منهم تأليف كلّ سورة منها قبل صاحبتها . وهذا أيضا باطل من الاعتلال لا حجّة فيه ، وذلك أنّه لا يجب القياس في مثل هذا ، لأنّه لا يمتنع على قول أحد أن يعلم اللّه سبحانه أنّ من مصالح الأمّة أو بعضها أو من اللّطف للرسول فقط : الأمر بتأليف السور على وجه مخصوص لا يتجاوز ولا يحلّ سواه ، وكذلك الأمر في الحفظ والتلاوة ، ولا ورد بذلك سمع وأنّ ذلك واجب كان نصّه واجبا علينا ، وإن لم يجب حمل وجوب ترتيب قصائد الشاعر وخطب الخطيب . وإذا كان ذلك كذلك سقط ما قالوه . ويدلّ على فساد ذلك أيضا أنّه حرام غير جائز قراءة السورة منكوسة الآي والأحرف من آخرها إلى أوّلها وإن لم يحرّم ذلك في كلام الخطبة والرسالة وإنشاد القصيدة ، وليس ذلك إلا لأنّ اللّه سبحانه أوجب ذلك في القرآن وحظر تجاوزه ، وأسقطه في الخطب والرسائل والشعر ولم يوجبه ، وإذا كان ذلك كذلك سقط هذا الاعتبار ، وفيما قدّمناه من الأدلّة على ذلك غنىّ / عن هذه التلفيقات . فأمّا من زعم أنّ الرسول قد نصّ على تأليف سور القرآن ورسمها في المصاحف على ما هي عليه من الإمام فقد استدلّ على ذلك بأمور لا حجّة في شيء منها ، فمن ذلك أن قالوا : قد اشتهر عن بعض السّلف وهو عبد اللّه ابن مسعود وعبد اللّه بن عمر أنّهما كرها أن يقرأ القرآن منكوسا ، فروي أنّ عبد اللّه بن مسعود سئل عن رجل يقرأ القرآن منكوسا فقال : « ذاك منكوس القلب » ، وأنّ عبد اللّه بن عمر ذكر له أنّ رجلا يقرأ القرآن منكوسا فقال : « لو